احتضن الديوان – البيت الثقافي العربي، مساء الخميس، الموافق 4 يونيو 2026، فعالية ثقافية وعلمية متميزة بعنوان:”حجر الفلاسفة وعلوم الطب القديمة – الكيمياء والطب في المخطوطات العربية”، وذلك ضمن سلسلة الفعاليات „كنوز المعرفة – حوار مع المخطوطات العربية”، التي تُنظَّم بالتعاون مع مكتبة برلين الحكومية.
وشكّل عرض المخطوطات الأصلية أحد أبرز محاور الأمسية وأكثرها تميزاً، إذ أتيحت للحضور مجدداً فرصة نادرة للاطلاع المباشر على هذه الكنوز المعرفية والتفاعل معها عن قرب، الأمر الذي أتاح تجربة حيّة للتراث العربي المخطوط، وكشف عن الأبعاد العلمية والثقافية والاجتماعية العميقة التي تختزنها هذه الأعمال التراثية.
في الجزء الأول من الفعالية، قدّمت الباحثة المتخصصة في الدراسات الإسلامية والثقافية، البروفيسورة الدكتورة ريغولا فورستر من جامعة توبنغن، عرضًا شاملاً تناولت فيه أبحاثها حول مخطوطة والذي يضم مجموعة قصائد „شذور الذهب”. وتُعد هذه النصوص الشعرية، التي ألّفها ابن أرفع رأس الجيّاني، من أبرز الأعمال في التراث الكيميائي العربي، غير أنها تحظى كذلك بتقدير أدبي كبير لما تتميز به من جمال لغوي وكثافة مجازية، وهو ما أبرزته البروفيسورة فورستر في قراءتها التحليلية. كما أكدت على الأهمية العلمية لهذه المجموعة من خلال العدد الكبير من نسخها المخطوطة المتداولة، والتي يُقدَّر عددها بنحو مئة نسخة موزعة جغرافيًا في عدد من المكتبات والمجموعات حول العالم.
وفي المحور الثاني، اصطحب الدكتور أيمن حطحط، المحاضر في جامعة براونشفايغ التقنية المتخصص في الطب والصيدلة العربية، الحضور في رحلة معرفية إلى عالم المخطوطات الطبية العربية، حيث سلّط الضوء على أهمية المعارف الصيدلانية في حضارات البحر الأبيض المتوسط، وعلى ديناميكيات التبادل العلمي والتطور المستمر للمعرفة عبر العصور، مبرزًا أثر ذلك في تاريخ الطب والصيدلة.
ومن خلال تناول شخصية ابن البيطار ومؤلفه الشهير „الجامع لمفردات الأدوية والأغذية”، أوضح الدكتور حطحط كيف جرى توثيق معرفة موسوعية شملت أكثر من 1400 مادة دوائية ضمن الفضاء الحضاري العربي الإسلامي. كما خصّص جانبًا محوريًا من محاضرته للحديث عن مخطوطة „روضة العطر” للطبيب محمد بن محمود حاجي الشرواني من القرن الخامس عشر، مقدّمًا إياها بوصفها مرجعًا صيدلانيًا بالغ الأهمية جمع المعارف الدوائية لعصره بصورة منهجية دقيقة. وتم التأكيد بصورة خاصة على الدور المحوري الذي أدّته مثل هذه المخطوطات في نقل المعرفة الطبية والصيدلانية وتراكمها عبر الحقب التاريخية، بدءًا من الإرث اليوناني القديم مرورًا بالحقبة الفارسية وازدهار الحضارة العربية الإسلامية وصولًا إلى العصور اللاحقة.
وأدار الأمسية كريستوف راوُخ، مدير قسم الشرق في مكتبة برلين الحكومية، حيث تولّى في الجزء الثاني من البرنامج إدارة الحوار مع الجمهور.
وقد عكست الأسئلة والمداخلات الغنية من الحضور مستوى الاهتمام الثقافي والمعرفي بالموضوع، وفتحت بابًا لنقاشات معمّقة حول أهمية المخطوطات وسبل الحفاظ عليها، ومنهجيات نقل المعرفة وتوثيقها في الحضارة العربية، إلى جانب عدد من القضايا العلمية المرتبطة بمضامين هذه النصوص التراثية.
واستمر هذا الحوار الثقافي خلال فقرة الاطلاع على المخطوطات الأصلية، بما عزّز الوعي بأهمية المؤسسات الثقافية، مثل الديوان ومكتبة برلين الحكومية، في حفظ الإرث المعرفي العابر للثقافات ودراسته وإتاحته للجمهور. كما أبرزت الفعالية الدور الحيوي لهذه المؤسسات في إظهار تنوع الثقافة العربية، وتعزيز الحوار الثقافي، وبناء جسور التواصل بين الثقافتين العربية والألمانية.
















































































































