ضمن سلسلة الطاولات المستديرة التي ينظمها منتدى برلين للحوار الخليجي الألماني، اجتمع في برلين بتاريخ 9 يونيو 2022 عدد من الخبراء لمناقشة مستقبل الاتفاق النووي مع إيران، في ظل تباين المواقف الأمريكية، وتصاعد التوترات الإقليمية، وتزايد الضغوط الاقتصادية والدولية على طهران.
هل لا يزال الاتفاق النووي مع إيران قابلًا للإنقاذ؟ وما الذي يعنيه تعثره بالنسبة إلى أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط، بل وإلى النظام الدولي ككل؟ كانت هذه الأسئلة في صلب طاولة مستديرة نظمها منتدى برلين للحوار الخليجي الألماني ضمن سلسلة حواراته التي تتناول القضايا السياسية والاستراتيجية ذات الصلة بمنطقة الخليج.
أدار النقاش الصحفي المعروف إيفالد كونيش، بمشاركة ثلاثة خبراء قدموا قراءات مختلفة للمشهد الإيراني والإقليمي: الدكتور علي فتح الله نجاد، الخبير في الشؤون الإيرانية والألمانية والباحث في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت؛ والبروفيسور د. محجوب الزويري، مدير قسم الدراسات الخليجية في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر؛ وماتياس بروغمان، مراسل صحيفة Handelsblatt في موسكو وبروكسل والمهتم بالشؤون العربية والإيرانية.
بين أوباما وترامب وبايدن
افتتح الدكتور علي فتح الله نجاد النقاش بمحاولة قراءة التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية تجاه إيران خلال السنوات السابقة. واستعرض الفوارق بين نهج إدارة الرئيس باراك أوباما، التي قادت إلى التوصل إلى الاتفاق النووي، وسياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي اتخذت قرار الانسحاب الأحادي من الاتفاق واتبعت سياسة «الضغط الأقصى» على إيران.
ورأى نجاد أن إدارة الرئيس جو بايدن لم تكن قد بلورت، في تلك المرحلة، استراتيجية واضحة تجاه إيران، مشيرًا إلى أن محدودية الدبلوماسية المباشرة بين واشنطن وطهران ساهمت في تعقيد فرص العودة إلى الاتفاق.
وبحسب قراءته، أدى استمرار حالة الجمود إلى دفع إيران نحو زيادة الضغط على الأطراف المتبقية في الاتفاق، في محاولة لتحسين شروط أي مفاوضات مستقبلية.
العقوبات والاقتصاد في قلب الأزمة
من زاوية أخرى، تناول البروفيسور د. محجوب الزويري القضية من منظور أوسع، رابطًا بين الملف النووي والوضع الاقتصادي والسياسي والإقليمي لإيران.
وأشار الزويري إلى أن العقوبات الأمريكية التي فُرضت في عهد إدارة ترامب أحدثت ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الإيراني، وأن استمرار العقوبات بعد وصول إدارة بايدن إلى السلطة أبقى أحد أهم عناصر الأزمة قائمًا.
كما توقف عند مجموعة من العوامل الإقليمية التي تجعل الملف أكثر تعقيدًا، من بينها الموقف الإسرائيلي من إيران، والقلق بشأن تنامي النفوذ الإيراني في كل من سوريا ولبنان واليمن، إلى جانب محدودية قدرة الأطراف الأوروبية على التأثير في المسار الاقتصادي والسياسي.
ولفت الزويري كذلك إلى أن انشغال الولايات المتحدة بملفات دولية أخرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والتطورات المرتبطة بأفغانستان، أدى إلى تراجع أولوية الملف الإيراني على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية.
خلاف تقني أم أزمة سياسية؟
وتطرق النقاش إلى دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية والخلافات المتعلقة بعمليات الرقابة والتحقق من الأنشطة والمنشآت النووية الإيرانية.
وفي هذا السياق، رأى الزويري أن التعامل مع الملف باعتباره خلافًا تقنيًا فقط لا يعكس كامل تعقيد الأزمة، معتبرًا أن الحسابات السياسية للدول المعنية تلعب دورًا أساسيًا في مسار الخلاف، وأن هذه الحسابات تؤثر بدورها في ردود الفعل الإيرانية وتزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهم.
وفي ختام مداخلته، شدد الزويري على أن المنطقة تحتاج إلى مسار يفضي إلى الاستقرار والسلام، مشيرًا إلى إمكانية قيام دولة قطر وسلطنة عُمان بدور في دعم الحوار وإعادة تحريك المسار الدبلوماسي.
هل تكفي عودة المفاوضات؟
أما الصحفي ماتياس بروغمان، فتناول الملف من زاوية التطورات السياسية والدبلوماسية، مشيرًا إلى أن عددًا من القضايا الخلافية ظل قائمًا حتى خلال فترة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني.
ورأى أن أي تقدم يتطلب العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تفاهم جديد بين الأطراف المعنية. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تصاعد الأزمات الدولية، ولا سيما اندلاع الحرب في أوكرانيا، جعل من الصعب إبقاء الملف النووي الإيراني في مقدمة الاهتمام الدولي.
كما أشار بروغمان إلى أهمية أخذ مواقف القوى الإقليمية المؤثرة في الاعتبار في أي مسار تفاوضي جديد، بما في ذلك إسرائيل والمملكة العربية السعودية، نظرًا إلى ارتباط الملف النووي بالتوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة.
الخليج في قلب المعادلة
أظهر النقاش أن الأزمة النووية الإيرانية لا يمكن فصلها عن شبكة أوسع من الملفات: من العقوبات والاقتصاد، إلى أمن الخليج، والعلاقات الأمريكية الإيرانية، والدور الأوروبي، والموقف الإسرائيلي، وصولًا إلى الحرب في أوكرانيا وتحولات أسواق الطاقة.
كما طُرحت خلال الحوار تساؤلات حول تأثير حاجة أوروبا إلى مصادر جديدة للطاقة على مستقبل العلاقة مع إيران، وما إذا كان تغير البيئة الاقتصادية والطاقة يمكن أن يخلق مساحة جديدة للدبلوماسية.
وفي هذا السياق، برز الدور المحتمل لدول الخليج، ولا سيما قطر وسلطنة عُمان، في دعم قنوات الحوار والوساطة، باعتبار أن أمن الخليج واستقرار المنطقة يرتبطان بصورة مباشرة بمآلات الملف الإيراني.
وفي ختام الطاولة المستديرة، اتفق المتحدثون على أن الطريق إلى تسوية شاملة لا يزال معقدًا، وأن تعدد الأطراف وتشابك مصالحها يجعل الملف النووي الإيراني يتجاوز حدود القضية النووية ليصبح جزءًا من معادلة أوسع للأمن الإقليمي والدولي.
وبذلك قدمت الطاولة المستديرة مساحة للحوار بين رؤى أكاديمية وصحفية وسياسية مختلفة، وسلطت الضوء على سؤال لا يزال حاضرًا في صلب النقاش الإقليمي: كيف يمكن إعادة إطلاق الدبلوماسية حول الملف النووي الإيراني في ظل التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط والعالم؟















































