على مدى ثلاثة أيام، احتضنت العاصمة الألمانية برلين الدورة الرابعة من معرض الديوان للكتاب العربي، الذي نظّمه الديوان – البيت الثقافي العربي في فندق إستريل، جامعاً دور النشر والكتّاب والمترجمين والباحثين والمهتمين بالثقافة العربية في فضاء ثقافي احتفى بالكتاب، وفتح آفاقاً للحوار بين الثقافات، وربط الأدب العربي بأسئلته المعاصرة وامتداداته الإنسانية.
وجاءت هذه الدورة ببرنامج ثقافي متنوع جمع بين الندوات الفكرية والأدبية، وحوارات الترجمة والنشر، والأمسيات الشعرية، ولقاءات الكتّاب مع القرّاء، إلى جانب الاحتفاء بالمؤلفات الأكاديمية المتميزة من خلال جائزة الرواق للعلوم والثقافة.
البرنامج
افتتاح رسمي يؤكد مكانة الثقافة في بناء الجسور
استُهلّ المعرض بحفل افتتاح شارك فيه سعادة عبدالله بن إبراهيم الحمر، سفير دولة قطر لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية ورئيس مجلس أمناء الديوان، والسيد جاسم البوعينين، مدير معرض الدوحة الدولي للكتاب ومدير إدارة المكتبات في وزارة الثقافة القطرية، والسيد بشار شبارو، الأمين العام لاتحاد الناشرين العرب والمدير التنفيذي لدار جامعة حمد بن خليفة للنشر، والكاتبة الألمانية الدكتورة أنيكا رايش، مؤسسة المشروع الأدبي الدولي «مواصلة الكتابة» (Weiter Schreiben)، وسعادة السفيرة كريستينا باينهوف، مديرة إدارة الثقافة والاتصال في وزارة الخارجية الألمانية.
عكست المشاركة القطرية والألمانية والعربية في الافتتاح أهمية المعرض بوصفه مساحة للتواصل الثقافي، تتجاوز عرض الكتب إلى إتاحة اللقاء المباشر بين التجارب الأدبية والفكرية المختلفة، وتعزيز حضور الثقافة العربية في المشهد الثقافي الألماني.
جائزة الرواق للعلوم والثقافة: احتفاء بالبحث والمعرفة
شكّلت جائزة الرواق للعلوم والثقافة إحدى أبرز محطات المعرض، إذ خُصّصت للاحتفاء بثلاثة مؤلفات أكاديمية متميزة في مجال العلوم الإنسانية، ضمن فئات اللغة العربية والألمانية والإنجليزية.
وشهد حفل توزيع الجوائز مشاركة سعادة عبدالله بن إبراهيم الحمر، والبروفيسور الدكتور ينس هانسن، مدير المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، وسعادة كلمنس هاخ، مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الألمانية، إلى جانب ممثلات لجان التحكيم: البروفيسورة الدكتورة أمل محمد المالكي عن فئة الكتب العربية، والبروفيسورة الدكتورة غودرون كريمر عن فئة الكتب الألمانية، والبروفيسور الدكتور إسلام دية عن فئة الكتب الإنجليزية.
ولم يقتصر البرنامج على تكريم الفائزين، بل امتد إلى حوار جمعهم لمناقشة أعمالهم وتجاربهم البحثية، بما أتاح للجمهور فرصة للتعرف إلى مسارات إنتاج المعرفة في العلوم الإنسانية، وإلى أهمية الكتاب الأكاديمي في إثراء النقاش العام وتطوير الحوار بين البيئات الثقافية واللغوية المختلفة.
المخطوطات العربية: ذاكرة أدبية تتجدد
وفي إطار التعاون الثقافي مع مكتبة برلين الحكومية، استضاف المعرض اللقاء الختامي لسلسلة «كنوز المعرفة – حوار مع المخطوطات العربية»، تحت عنوان «رواة مبدعون في المخطوطات العربية».
وشارك في اللقاء البروفيسورة الدكتورة كلاوديا أوت، أستاذة الأدب العربي ومترجمته في جامعة غوتنغن، والدكتور يوهانس شتيفان، الباحث في الأدب العربي بجامعة برلين الحرة ومدير مشروع «كلمات»، فيما أدار الحوار كريستوف راوخ، رئيس قسم الشرق في مكتبة برلين الحكومية.
تناول اللقاء عالماً من الحكايات والتراث الأدبي العربي المرتبط بتقاليد السرد المحيطة بألف ليلة وليلة، وسلّط الضوء على مخطوطة عربية مصوّرة تعود إلى القرن السابع عشر، أُنجزت في مصر، وتضم حكايات من هذا التراث. وقد أتاح الحوار للجمهور الاقتراب من المخطوطات لا بوصفها وثائق تاريخية فحسب، بل بوصفها أوعية حية للخيال والذاكرة والتبادل الثقافي.
الترجمة بين العربية والألمانية: أسئلة الحاضر وآفاق المستقبل
احتلت الترجمة مكانة أساسية في البرنامج، من خلال ندوة بعنوان «الترجمة بين العربية والألمانية: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل».
وجمعت الندوة الكاتب والمترجم تورستن أرندت، والكاتب والمترجم سمير جريس، والمترجمة والمحاضرة لاريسا بندر، والكاتبة والمترجمة دلال نصرالله، وأدارها مصطفى السليمان، الأكاديمي والمترجم ومنسق مشروع «كلمة» وعضو اللجنة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب.
أتاحت الندوة مناقشة واقع نقل الأدب بين اللغتين العربية والألمانية، والتحديات التي تواجه المترجمين، ودور الترجمة في إيصال التجارب الأدبية إلى قرّاء جدد. كما أكدت أن الترجمة ليست نقلاً لغوياً فحسب، بل ممارسة ثقافية تسهم في بناء الفهم المتبادل وإتاحة المجال أمام الأدب للتجاوز بين اللغات والحدود.
معارض الكتب ودورها في التبادل الثقافي
وفي سياق الاهتمام بمستقبل صناعة الكتاب، استضاف المعرض ندوة بعنوان «دور معارض الكتب في التبادل الثقافي: الفرص والتحديات»، شارك فيها بشار شبارو، وجاسم البوعينين، وكلوديا كايزر، نائبة رئيس تطوير الأعمال في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وأدارها مصطفى السليمان.
تناولت الندوة دور معارض الكتب في دعم حركة النشر، وتوسيع فرص التعاون بين الناشرين، وتعزيز تداول المعرفة بين الأسواق الثقافية المختلفة. كما مثّلت مشاركة شخصيات فاعلة في مؤسسات النشر ومعارض الكتب العربية والألمانية فرصة لتبادل الرؤى حول الإمكانات التي تتيحها هذه المنصات لتطوير العلاقات المهنية والثقافية.
البحر في الذاكرة القطرية: حكايات وفنون وهوية
حضر التراث القطري في البرنامج من خلال ندوة «البحر في الذاكرة القطرية: حكايات، وفنون وهوية»، التي قدّمها الباحث محمد الصايغ، المتخصص في توثيق التراث البحري، والفنان التراثي القطري، النهام عمر بوصقر، المعروف بأدائه لفنون الغناء البحري التقليدي، وأدارها المؤلف الموسيقي رشيد هلال.
استحضرت الندوة الصلة التاريخية والثقافية بين المجتمع القطري والبحر، وما ارتبط بها من حكايات وممارسات فنية وتقاليد شفوية. وأبرزت أهمية صون هذا الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة، باعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية في قطر.
وقدّمت هذه الفعالية بعداً مميزاً للمعرض، إذ وسّعت مفهوم الكتاب والثقافة ليشمل الذاكرة الشفوية والفنون التقليدية، وما تحمله من معارف وتجارب متراكمة.
المؤسسات الثقافية جسوراً للحوار بين المجتمعات
ناقشت ندوة «المؤسسات الثقافية: جسور للحوار والتفاهم بين المجتمعات» دور المؤسسات الثقافية في تعزيز التواصل بين الشعوب، بمشاركة الأستاذ إبراهيم البوهاشم السيد، مدير عام دار الكتب القطرية، والدكتور محمد بودي، المنسق العام للمنتدى الثقافي الخليجي الأوروبي، والدكتورة صفاء العلوي من أسرة الأدباء والكتّاب في البحرين، والمهندس الشاعر سعيد الصقلاوي من الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء، والبروفيسور الدكتور يواخيم بونته، المدير العام لمكتبة برلين الحكومية.
وتناولت الندوة إمكانات التعاون بين المؤسسات الثقافية العربية والأوروبية، ودور الروابط المهنية والأدبية في إرساء حوار مستدام يقوم على المعرفة المتبادلة واحترام التنوع. كما عكست المشاركة الخليجية اتساع المجال الذي يجمعه المعرض، من خلال إتاحة مساحة مشتركة لتجارب ثقافية متعددة من المنطقة العربية.
الشعر العربي: أنغام القوافي في رحاب لغة الضاد
احتفى البرنامج بالشعر العربي عبر ندوة «على ضفاف القصيدة العربية: أنغام القوافي في رحاب لغة الضاد»، التي جمعت الشاعر عبدالرحمن الدليمي، مدير إدارة الثقافة والفنون في وزارة الثقافة القطرية، والدكتور راشد النجم من أسرة الأدباء والكتّاب في البحرين، والأديب المهندس حميدي المطيري من المنتدى الثقافي الخليجي الأوروبي في الكويت، والشاعر الدكتور إسحاق الخنجري من الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء، وأدارها الشاعر فارس مطر.
أتاحت الندوة مساحة لتلاقي الأصوات الشعرية الخليجية، واستكشاف تنوع التجارب والأساليب التي يواصل الشعر العربي من خلالها التعبير عن الإنسان ومجتمعه وأسئلته. وأكدت أن الشعر، بما يحمله من طاقة لغوية وجمالية، يظل أحد أبرز أشكال الذاكرة الثقافية وأدوات التواصل بين الأجيال.
الأدب الرقمي والنشر المعاصر
واختُتمت الندوات الفكرية في البرنامج بموضوع «الأدب الرقمي والنشر المعاصر: في مواجهة الأنساق الثقافية المهيمنة»، بمشاركة الكاتبة والروائية البارزة شمة شاهين الكواري، الحاصلة على جائزة كتارا للرواية العربية وجائزة الدولة لأدب الطفل، والدكتور عامر العيسري، الأستاذ المشارك في كلية التربية بجامعة السلطان قابوس، وأدارها الكاتب والمترجم والمستشرق شتيفان فايدنر.
سلّطت الندوة الضوء على التحولات التي يشهدها الأدب في العصر الرقمي، والتحديات التي تفرضها أشكال النشر الجديدة، والأسئلة المتعلقة بهوية النص الأدبي وانتشاره وتلقيه. كما أتاحت مناقشة العلاقة بين التكنولوجيا والإنتاج الثقافي، ودور الأدب العربي في التعبير عن هوياته المتعددة ضمن فضاء ثقافي عالمي متغير.
لقاءات مباشرة بين الكتّاب والقرّاء
إلى جانب الندوات، أتاح المعرض للزوار فرصة اللقاء المباشر مع عدد من الكتّاب وتوقيع إصداراتهم الحديثة. وشملت جلسات التوقيع أعمالاً لكل من الدكتور أمير حمد، ونادر حاج عمر، وموسى الزعيم، والدكتورة دلال مقاري-باوش، وسعيد أبكر، والدكتور محمد جودة، والدكتورة نجاة عبد الصمد.
وقد منحت هذه اللقاءات القرّاء فرصة للتعرف إلى أصحاب الكتب، والاستماع إلى تجاربهم، والحصول على إصداراتهم موقّعة، في تجربة تعيد التأكيد على أن المعرض ليس مجرد مساحة لعرض المنشورات، بل مكان للقاء الحي بين الكتاب ومؤلفيه وجمهوره.
معرض يتجاوز الكتاب إلى الحوار الثقافي
عكست الدورة الرابعة من معرض ديوان للكتاب العربي تنوعاً في موضوعاتها وضيوفها، من المخطوطات العربية والترجمة والشعر والرواية، إلى التراث القطري والنشر المعاصر ودور المؤسسات الثقافية. كما أظهر البرنامج أهمية التعاون بين المؤسسات العربية والألمانية في بناء منصات تتيح تبادل المعرفة والخبرات وتوسيع حضور الأدب العربي في أوروبا.
ويندرج المعرض ضمن رسالة ثقافية أوسع تهدف إلى توفير فضاء للقاء والتعارف والحوار، وتعزيز التفاعل بين الثقافة العربية والمجتمع الألماني، وإتاحة الفرصة أمام القرّاء والكتّاب والناشرين لبناء علاقات تتجاوز أيام المعرض الثلاثة.
لقد أكدت هذه الدورة أن الكتاب يظل نقطة انطلاق لعلاقات إنسانية وثقافية أعمق، وأن اللقاء بين الثقافات يبدأ بالقراءة، ويتسع بالحوار، ويترسخ بالتعاون المستمر.














































































































































































































































































































































































































































































































































