في إطار مسار الحوار الإعلامي الألماني–العربي الذي أطلقه الديوان – البيت الثقافي العربي عام 2024، نظم الديوان، بالتعاون مع معهد الجزيرة للإعلام، ورشة عمل مكثفة على مدى ثلاثة أيام بعنوان «التحقق من الأخبار – كشف المعلومات المضللة»، وذلك في الفترة من 4 إلى 6 سبتمبر 2026 في برلين.
وتأتي هذه الورشة بوصفها امتدادًا عمليًا لمسار بدأه الديوان قبل عامين بهدف فتح مساحة مستدامة للحوار والتبادل المهني بين الصحفيين والإعلاميين من ألمانيا والعالم العربي. وقد شهد الحوار الإعلامي الألماني–العربي الأول، الذي عقده الديوان بالتعاون مع معهد الجزيرة للإعلام في أكتوبر 2024، نقاشات وورش عمل تناولت عددًا من أبرز التحولات التي يشهدها الإعلام المعاصر، من بينها الذكاء الاصطناعي في الصحافة، والأخبار المزيفة، وصحافة البيانات، وصحافة الهاتف المحمول. كما أتاح المنتدى للصحفيين من الجانبين تبادل الخبرات والرؤى حول التغطية الإعلامية للعالم العربي، واستقلالية العمل الصحفي، ودور الإعلام في بناء الصور النمطية وتفكيكها.
من الحوار إلى الممارسة
إذا كان الحوار الإعلامي الألماني–العربي قد وفر منذ إطلاقه مساحة للقاء وتبادل الرؤى، فإن هذه الورشة وسّعت المسار باتجاه بناء القدرات المهنية وتطوير الأدوات التي يحتاجها الصحفي في عمله اليومي.
ففي بيئة إعلامية تتسارع فيها حركة المعلومات، وتتزايد فيها قدرة التقنيات الرقمية على إنتاج المحتوى وتغييره وإعادة نشره، أصبح التحقق من المعلومات جزءًا لا يتجزأ من المسؤولية المهنية للصحفي.
وقد ركزت الورشة على تقديم منهجيات وأدوات عملية للتحقق من الصور ومقاطع الفيديو والمصادر والمواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي، إلى جانب التعرف على حملات التضليل المنسقة والسرديات التي تقف وراءها، ومناقشة الجوانب الأخلاقية للتحقق الرقمي والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. كما تضمنت الورشة تمارين عملية ودراسات حالة من ألمانيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
شراكة تجمع الخبرة العربية والألمانية
يمثل التعاون مع معهد الجزيرة للإعلام عنصرًا محوريًا في هذا المسار. فمنذ الحوار الإعلامي الأول عام 2024، شكل المعهد شريكًا أساسيًا في تطوير هذا البرنامج، الذي يجمع بين الخبرة الإعلامية العربية والبيئة الصحفية الألمانية، ويفتح المجال أمام التواصل المباشر بين المهنيين من الجانبين.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في ظل الطبيعة العابرة للحدود للتحديات التي تواجه الإعلام اليوم. فالمعلومات المضللة لا تتوقف عند لغة أو منطقة جغرافية، بل تنتقل بسرعة بين المنصات والمجتمعات والسياقات السياسية والثقافية المختلفة. ومن ثم، فإن مواجهتها تتطلب أيضًا تعاونًا يتجاوز الحدود، وتبادلًا للخبرات بين الصحفيين الذين يعملون في بيئات إعلامية مختلفة.
تدريب عملي
أدار الورشة المدرب أنس بنضريف، واعتمد البرنامج على منهج يجمع بين المدخلات المتخصصة القصيرة، والتمارين التفاعلية، والعمل الجماعي، ودراسات الحالة العملية.
كما عمل المشاركون باستخدام أدوات تحقق رقمية متاحة مجانًا، بما يتيح لهم نقل المهارات المكتسبة مباشرة إلى ممارستهم المهنية اليومية.
وتناول التدريب أساسيات المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة والتلاعب بالمعلومات، إلى جانب تطوير مسار منظم للتحقق، والتحقق من الصور والفيديوهات، وفحص المصادر والمواقع والحسابات الرقمية، والتعرف على حملات التضليل المنسقة، إضافة إلى البعد الأخلاقي لاستخدام أدوات التحقق والذكاء الاصطناعي.
تأهيل الصحفي لمواجهة عصر المعلومات المضللة
لم يعد التحدي الأساسي أمام الصحفي هو الوصول إلى المعلومات فحسب، بل أصبح يتمثل بصورة متزايدة في القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل والمتلاعب به.
ومع التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والنصوص المضللة أكثر سهولة، كما أصبحت القدرة على تغيير سياق المحتوى وإعادة تقديمه بصورة تبدو موثوقة أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، يمثل التدريب على التحقق الرقمي استثمارًا مباشرًا في جودة الصحافة نفسها. فالصحفي الذي يمتلك أدوات التحقق لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يستطيع مساءلة مصدرها وسياقها وطريقة إنتاجها وانتشارها قبل تقديمها للجمهور.
مساحة للحوار بين الصحفيين العرب والألمان
إلى جانب البعد التدريبي، حملت الورشة أهمية خاصة باعتبارها مساحة للقاء والتواصل بين الصحفيين والإعلاميين من ألمانيا والعالم العربي.
فالتعامل مع المعلومات المضللة يختلف باختلاف السياقات الإعلامية والاجتماعية والسياسية. وتبادل الخبرات بين الصحفيين من الجانبين يسمح بفهم أعمق لكيفية إنتاج السرديات المضللة وانتشارها في بيئات مختلفة، كما يتيح التعرف إلى أساليب العمل الصحفي والممارسات المهنية في كل من ألمانيا والعالم العربي. وهنا يتحول التدريب نفسه إلى أداة من أدوات الحوار الإعلامي.
فالهدف ليس أن يتحدث الصحفيون عن تجارب بعضهم البعض، وإنما أن يلتقوا ويتعلموا ويتبادلوا الخبرات بصورة مباشرة.
الديوان منصة للحوار الإعلامي الألماني–العربي
تجسد هذه الورشة الدور الذي يسعى الديوان – البيت الثقافي العربي إلى ترسيخه بوصفه منصة للحوار والتبادل بين ألمانيا والعالم العربي.
فالحوار الثقافي بمعناه المعاصر لا يقتصر على الأدب والفنون، بل يشمل أيضًا الإعلام والمعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات المهنية.
ومن خلال هذا المسار، يسعى الديوان إلى توفير مساحة تجمع الصحفيين والخبراء والمؤسسات الإعلامية من الجانبين، بما يساهم في بناء علاقات مهنية مستدامة تتجاوز الفعاليات المنفردة.
نحو حوار أكثر عمقًا واستدامة
أكد الحوار الإعلامي الألماني–العربي منذ إطلاقه عام 2024 أن هناك اهتمامًا حقيقيًا لدى الصحفيين والإعلاميين من الجانبين بتبادل الخبرات ومناقشة مستقبل المهنة. وقد شهد المنتدى الأول مشاركة واسعة من الإعلاميين والصحفيين، ولا سيما من جيل الشباب، مع التأكيد على تنظيمه بصورة دورية.
وتأتي ورشة 2026 لتضيف إلى هذا المسار بعدًا جديدًا: الانتقال من الحوار حول تحديات الإعلام إلى بناء القدرات اللازمة لمواجهتها.
ويمكن لهذا المسار أن يتوسع مستقبلًا ليشمل موضوعات متقدمة في التحقق الرقمي، والذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، والمصادر المفتوحة، وتحليل حملات التضليل العابرة للحدود، والأمن الرقمي للصحفيين، وأخلاقيات استخدام التقنيات الجديدة في العمل الإعلامي.
الصحافة مسؤولية مشتركة
في عالم أصبحت فيه المعلومات تنتقل بسرعة غير مسبوقة، وأصبح إنتاج المحتوى المضلل أكثر سهولة وانتشارًا، فإن الدفاع عن الصحافة المهنية يبدأ من تأهيل الصحفي نفسه. ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين الديوان – البيت الثقافي العربي ومعهد الجزيرة للإعلام.
فالاستثمار في مهارات التحقق هو استثمار في صحافة أكثر دقة واستقلالية ومسؤولية. وفي الوقت نفسه، فإن جمع الصحفيين من ألمانيا والعالم العربي في فضاء واحد يساهم في بناء فهم متبادل أعمق، ويخلق جسورًا مهنية تتجاوز الاختلافات في اللغة والسياق والثقافة.
لقد بدأ الحوار الإعلامي الألماني–العربي في الديوان عام 2024 كمساحة للقاء والنقاش. ومع استمرار هذا المسار، يتحول الحوار إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى تعاون مهني مستدام.
وهذه هي الرؤية التي يسعى الديوان إلى ترسيخها:
أن يلتقي الصحفيون من ألمانيا والعالم العربي لا لكي يتحدثوا عن بعضهم البعض، بل لكي يتحاوروا، ويتعلموا من بعضهم البعض، ويعملوا معًا على تطوير صحافة أكثر قدرة على فهم عالم سريع التغير وأكثر قدرة على مقاومة التضليل.





















































































