ماذا يحدث عندما تولد القصيدة بين اللغات والثقافات وعوالم العيش المختلفة؟ يجمع كتاب “بين عذبٍ وأُجاج…أنثولوجيا القصيدة العربية في أوروبا” شعراً عربياً كُتب تحديداً عند هذه التخوم: بين مسقط الرأس والمهجر، والذاكرة والحاضر، والفقدان والأمل. وقد نشأ هذا العمل ثمرةَ تعاونٍ ثقافي بين قسم الدراسات العربية وقسم الدراسات الإسلامية ولغات الشرق الأدنى في جامعة بون، والديوان – البيت الثقافي العربي. قام مترجمون ومترجمات، إلى جانب أساتذة وخريجين وخريجات، يدرّس بعضهم في جامعة بون نفسها، بنقل الشعر العربي الذي كُتب في أوروبا إلى اللغة الألمانية، فخلقوا بذلك فسيفساء غنية ومتعددة الأصوات. وقد عملوا معًا على اختيار النصوص وترجمتها ووضعها في سياقها الثقافي. ولم يكن الهدف إعادة إنتاج صورة رومانسية أو مختزلة سياسياً عن الشعر العربي، بل إظهار تنوّع الأصوات الشعرية، ولهذا حُفظ النص العربي الأصلي في هذا العمل أيضًا. ولا تُفهم الترجمات هنا بوصفها نقلًا لغوياً صرفاً، بل باعتبارها وساطةً بين تقاليد أدبية وتجارب إنسانية مختلفة.
يضم العمل ترجمات ألمانية لقصائد مختارة، إلى جانب سير ذاتية مختصرة لشاعرات وشعراء من أجيال مختلفة، ويوثّق محورين رئيسيين: الأول تاريخيّ، عبر جمع الشعر العربي في المهجر الأوروبي، والثاني موضوعي، عبر دراسة الأبعاد الأدبية والثقافية لأدب المنفى والذاكرة. ويقدّم هذا العمل نموذجاً للتعاون الأكاديمي بين ألمانيا والعالم العربي، موفّراً للقراء الناطقين بالألمانية فرصة الاطلاع على تجربة شعرية عربية فريدة.
تولت دار EB-verlag الألمانية نشر هذا العمل، الذي يبلغ نحو 420 صفحة، ويضم نصوص خمسة وخمسين شاعراً وشاعرة من إحدى عشر دولة عربية، يقيمون في مختلف دول أوروبا. يسعى المشروع إلى رسم ملامح المشهد الشعري العربي في المهجر، حيث تشكّل إبداعات هؤلاء الشعراء بعيدًا عن بيئتهم الأصلية، مع بقائهم مرتبطين بها وجدانيًا ولغويًا.
وفي الوقت نفسه، تُعدّ هذه الأنطولوجيا استجابةً واعية لتاريخ وحاضر الترجمة الأدبية من العربية إلى الألمانية. فبينما حظيت الرواية العربية باهتمام متزايد في العقود الأخيرة، ظلّ الشعر إلى حدّ كبير ممثَّلًا تمثيلًا ناقصًا، رغم أنّ الشعر العربي يُعدّ من أبرز أشكال التعبير في الثقافة العربية. وقد أُنجز هذا المشروع الثقافي الهام لسّد هذه الفجوة وجعل الشعر العربي أكثر حضورًا في السياق الأوروبي.
تضمّ الأنثولوجيا 55 قصيدة لـ55 شاعرًا وشاعرة عرب يعيشون اليوم في أحد عشر بلدًا أوروبيًا. وهم لا يمثّلون أجيالًا مختلفة فحسب، من سبعينيات القرن الماضي حتى القرن الحادي والعشرين، بل يعكسون أيضًا مواقف جمالية متنوّعة وخلفيات متعددة. وقد قُسّمت المختارات إلى سبعة مسارات موضوعية تعكس التوترات الوجودية لشاعر المنفى: السعادة والنعيم، التعالي، الفاجعة، الموت والحياة، القدرية، الفناء، والوطن والمنفى، لتكشف عن أسئلة تتجاوز الجغرافيا وتلامس العلاقة بين اللغة والذاكرة والهوية
يمثل هذا الإصدار مرجعًا أساسيًا لكل من يدرس الشعر العربي المعاصر في المهجر، ويعيد رسم خريطة الإبداع الشعري العربي في أوروبا، مقدّمًا تجربة أدبية وثقافية متفردة تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين اللغة العربية والثقافة الأوروبية.












































