من المخطوطات إلى آفاق جديدة للتعاون الثقافي
«رواة مبدعون في المخطوطات العربية» تتوّج سلسلة «كنوز المعرفة – حوار مع المخطوطات»
في لقاء جمع البحث العلمي بالتراث الأدبي وفن السرد القصصي، اختُتمت يوم السبت، 17 أكتوبر 2026، سلسلة «كنوز المعرفة – حوار مع المخطوطات العربية» بحلقتها النقاشية السادسة، «رواة مبدعون في المخطوطات العربية»، التي أقيمت ضمن المعرض العربي الرابع للكتاب – الديوان في فندق إستريل ببرلين. وجاءت الفعالية تتويجًا لمسار ثقافي وعلمي مشترك بين الديوان – البيت الثقافي العربي ومكتبة برلين الحكومية، أتاح للجمهور الاقتراب من المخطوطات العربية بوصفها مصادر حيّة للمعرفة وشواهد على تاريخ الأدب والثقافة والتبادل الإنساني.
مخطوطة تفتح أبواب الحكاية
تمحورت الحلقة النقاشية حول مخطوطة عربية مصوّرة من القرن السابع عشر، أُنتجت في مصر وزُيّنت في ورشة لصناعة الكتب ضمن البيئة القبطية، وتحفظ حكايات تنتمي إلى الفضاء الأدبي المتصل بتقاليد «ألف ليلة وليلة». وتحمل المخطوطة عنوان Qiṣṣat Šīmās al-ḥakīm maʿa ’l-malik Wird-Ḫān bi-bilād al-Hind، وهي محفوظة ضمن مجموعة المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية تحت الرقم Ms. or. fol. 2564.
ومن خلال هذه المخطوطة، انفتح النقاش على أسئلة تتجاوز النص المكتوب إلى مسارات انتقال الحكايات وتحوّلها عبر الزمن والثقافات، وإلى العلاقة بين النص والصورة وتقاليد الكتابة والتداول. فالمخطوطات لا تحفظ الكلمات وحدها، بل تحمل أيضًا آثار البيئات التي نشأت فيها، وتكشف جوانب من طرائق إنتاج المعرفة الأدبية وتناقلها وإعادة تفسيرها.
وقدّمت البروفسورة الدكتورة كلوديا أوت، المترجمة وأستاذة الأدب العربي في جامعة غوتنغن، والدكتور يوهانس شتيفان، الباحث في الأدب العربي بجامعة برلين الحرة ومدير مشروع KALiMaT، قراءات علمية للمخطوطة وسياقها الأدبي. وأدار الحوار كريستوف راوْخ، رئيس قسم الشرق في مكتبة برلين الحكومية، جامعًا بين الخبرة البحثية والاختصاص المؤسسي في حفظ المخطوطات العربية ودراستها وإتاحتها.
شراكة تجعل المعرفة أقرب إلى الجمهور
لم تكن هذه الفعالية مجرد محطة ختامية لسلسلة من اللقاءات، بل مثّلت أيضًا مناسبة لتأكيد أهمية التعاون بين الديوان – البيت الثقافي العربي ومكتبة برلين الحكومية. فمن خلال الجمع بين دور الديوان في الوساطة الثقافية وإقامة الحوار مع الجمهور، والخبرة العلمية للمكتبة في حفظ المجموعات المخطوطة ودراستها، تبلورت مساحة مشتركة تلتقي فيها المعرفة الأكاديمية مع الاهتمام الثقافي العام.
وقد أظهرت السلسلة كيف يمكن للمخطوطات، التي تحفظها المؤسسات المتخصصة وتصونها الذاكرة الثقافية، أن تتجاوز حدود المجموعات البحثية لتصبح موضوعًا للحوار والاكتشاف. فإتاحة هذه المصادر للجمهور لا تعني عرضها فحسب، بل تفتح المجال لفهم سياقاتها التاريخية والأدبية، وإدراك قيمتها بوصفها جزءًا من التراث الإنساني المشترك.
ويؤكد هذا التعاون أن الشراكة بين المؤسسات الثقافية والبحثية قادرة على خلق صيغ جديدة للتواصل بين التراث والمعرفة المعاصرة، وبين الباحثين والجمهور. كما يرسّخ أهمية العمل المشترك في إبراز المخطوطات العربية، ليس بوصفها شواهد على الماضي فحسب، بل بوصفها مصادر لا تزال قادرة على إثارة الأسئلة وإثراء النقاش الثقافي اليوم.
ختام سلسلة وبداية آفاق جديدة
مع اختتام الحلقة السادسة، وصلت سلسلة «كنوز المعرفة – حوار مع المخطوطات العربية» إلى محطتها الختامية، بعد أن وفّرت مساحة للحوار حول المخطوطات العربية وما تختزنه من تاريخ أدبي ومعرفي وثقافي. غير أن ختام هذه السلسلة لا يُنظر إليه بوصفه نهاية للتعاون، بل باعتباره خطوة مهمة في مسار شراكة تتطلع إلى آفاق أوسع.
ويمهّد هذا التعاون بين الديوان – البيت الثقافي العربي ومكتبة برلين الحكومية الطريق أمام تطوير برامج ومبادرات ثقافية وعلمية مشتركة في المستقبل، تواصل الجمع بين البحث المتخصص والوساطة الثقافية، وتتيح لجمهور أوسع اكتشاف التراث المخطوط والتفاعل معه. وتظل القيمة الأساسية لهذه الشراكة في قدرتها على تحويل المعرفة المحفوظة في المجموعات إلى تجربة ثقافية مشتركة، تتجدد فيها الصلة بين الماضي والحاضر.
وبهذا المعنى، لم تكن «رواة مبدعون في المخطوطات العربية» مجرد ختام لسلسلة من الفعاليات، بل تتويجًا لتعاون مؤسسي مثمر، وخطوة نحو بناء مساحات جديدة للحوار حول التراث العربي ومكانته في تاريخ المعرفة الإنسانية.




































































































